الحلبي
547
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
الأخرى عسل ، فهداني اللّه تعالى ، فأخذت اللبن فشربت ، وبين يديّ شيخ متكئ على منبر له ، فقال : أي مخاطبا لجبريل : أخذ صاحبك الفطرة ، إنه لمهديّ ، فلما خرجت منه جاءني جبريل عليه الصلاة والسلام بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاخترت اللبن ، فقال جبريل : اخترت الفطرة » أي الاستقامة التي سببها الإسلام ، ومنه « كل مولود يولد على الفطرة » أي على الإسلام . وفي رواية أخرى « فأتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها ، فأتي بإناء منها فيه ماء فشرب منه قليلا . وفي رواية : أنه لم يشرب منه شيئا ، وأنه قيل له لو شربت الماء » أي جميعه أو بعضه « لغرقت أمتك » أي وفي رواية : « أنه سمع قائلا يقول : إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته ، ثم رفع إليه إناء آخر فيه لبن فشرب منه حتى روي » . أي وفي رواية « سمع قائلا يقول إن أخذ اللبن هدي وهديت أمته ، ثم رفع إليه إناء فيه خمر ، فقيل له اشرب ، فقال : لا أريده فقد رويت ، فقال له جبريل : إنها ستحرم على أمتك » أي بعد إباحتها لهم . وفي رواية أخرى « أنه قيل له لو شربت الخمر لغويت أمتك ولم تتبعك » أي لا يكون على طريقتك منهم إلا قليل . أي وفي رواية « أنه سمع قائلا يقول إن أخذ الخمر غوى وغويت أمته » . أقول : وهذه الرواية محتملة لأن تكون وهو في بيت المقدس ، ولأن تكون وهو خارج عنه ، ومن هذا كله تعلم أنه تكرر عليه عرض اللبن والخمر داخل بيت المقدس وخارجه ، ولا مانع من تكرر عرض آنيتي الخمر واللبن قبل خروجه من بيت المقدس وبعد خروجه منه قبل العروج . ولا تعارض بين الأخبار بأن إحداهما كان فيه عسل مع اللبن ، وبين الإخبار بأن إحداهما كان فيه خمر مع اللبن . ولا بين الإخبار بإناءين ، والإخبار بأواني ثلاثة ، لأنه يجوز أن يكون بعض الرواة اقتصر على إناءين . ولا بين كون الإناء الثالث كان فيه عسل أو ماء ، لأنه يجوز أن يكون إحدى الأواني الثلاثة كان فيها عسل ثم جعل فيها الماء بدل العسل ، أو مزج العسل به وغلب الماء على العسل ، أو تكون الأواني أربعة وبعض الرواة اقتصر . وقد قال ابن كثير : مجموع الأواني أربعة ، فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي تخرج من أصل سدرة المنتهى ، ولكن لم يسقط اللبن . وفي رواية بخلاف غيره ، فإنه تارة ذكر معه الخمر فقط ، وتارة ذكر معه العسل فقط ، وتارة ذكر معه الماء والخمر . وعلى الاحتمال الأول يسأل عن سر عدم ذكر جبريل عليه الصلاة والسلام